حقوقك والتزاماتك:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
يُعد إنهاء عقد العمل من أكثر المسائل التي تثير النزاعات بين العامل وصاحب العمل، وفي كثير من الحالات يصف العامل إنهاء عقده بأنه فصل تعسفي لمجرد صدور قرار الفصل من صاحب العمل. إلا أن الأمر من الناحية النظامية أكثر دقة من ذلك.
فنظام العمل السعودي لا يمنع صاحب العمل من إنهاء العلاقة العمالية متى توافر السبب النظامي لذلك. وفي المقابل لا يترك للعامل دون حماية إذا أُنهي عقده دون سبب مشروع.
ولهذا فإن السؤال الأهم عند دراسة أي حالة فصل ليس من الذي أنهى العقد فقط وإنما لماذا انتهى العقد وهل يستند الإنهاء إلى سبب مشروع وهل روعيت الأحكام النظامية المقررة عند الإنهاء.
ما المقصود بالفصل التعسفي؟
يشيع استخدام مصطلح “الفصل التعسفي” لوصف إنهاء صاحب العمل لعقد العامل دون مسوغ مشروع. أما نظام العمل السعودي فيستخدم في المادة السابعة والسبعين تعبير إنهاء العقد لسبب غير مشروع ويرتب على ذلك حق الطرف المتضرر في التعويض.
وعليه فإن مجرد عدم رغبة العامل في قرار الفصل لا يجعله تعسفيًا. كما أن مجرد وجود سبب مكتوب في قرار الإنهاء لا يعني بالضرورة أن الفصل أصبح مشروعًا. العبرة بحقيقة السبب ومدى مشروعيته وإمكان إثباته ومدى توافق الإجراء المتخذ مع أحكام النظام.
متى يكون إنهاء عقد العامل مشروعًا؟
تختلف الإجابة بحسب نوع عقد العمل وسبب الإنهاء.
فقد حددت المادة الرابعة والسبعون حالات انتهاء عقد العمل ومن بينها اتفاق الطرفين على إنهائه وانتهاء مدة العقد المحدد المدة وبلوغ سن التقاعد والقوة القاهرة وإغلاق المنشأة نهائيًا وإنهاء النشاط الذي يعمل فيه العامل ما لم يتفق على غير ذلك وغيرها من الحالات النظامية.
أما العقد غير محدد المدة فقد أجازت المادة الخامسة والسبعون إنهاءه بناءً على سبب مشروع. وإذا كان صاحب العمل هو من أنهى العقد وكان أجر العامل يدفع شهريًا فيجب عليه توجيه إشعار كتابي للعامل قبل الإنهاء بستين يومًا على الأقل. وإذا كان الأجر لا يدفع شهريًا فتكون مدة الإشعار ثلاثين يومًا على الأقل.
ومن هنا تظهر أهمية التفرقة بين مشروعية سبب الإنهاء وبين الالتزام بمهلة الإشعار. فقد يوجد سبب مشروع للإنهاء ولكن صاحب العمل لا يلتزم بمهلة الإشعار. وفي هذه الحالة قد يستحق العامل مقابل مهلة الإشعار وفق المادة السادسة والسبعين دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أصل الإنهاء كان غير مشروع.
الفصل وفق المادة 80 من نظام العمل
تُعد المادة الثمانون من أهم المواد التي ينبغي فهمها عند الحديث عن الفصل.
فقد أجازت لصاحب العمل في حالات محددة فسخ عقد العامل دون مكافأة أو إشعار أو تعويض بشرط أن تتوافر الحالة النظامية وأن تتاح للعامل الفرصة لإبداء أسباب معارضته للفسخ.
ومن الحالات التي تناولتها المادة الاعتداء المرتبط بالعمل وعدم أداء الالتزامات الجوهرية أو مخالفة الأوامر المشروعة رغم الإنذار الكتابي وارتكاب بعض صور السلوك السيئ أو الأفعال المخلة بالشرف أو الأمانة والتزوير للحصول على العمل والإضرار المتعمد بصاحب العمل وإفشاء الأسرار الصناعية أو التجارية واستغلال المركز الوظيفي بطريقة غير مشروعة.
كما تناولت المادة الغياب دون سبب مشروع. وأجازت الفصل إذا تجاوز غياب العامل ثلاثين يومًا خلال السنة العقدية الواحدة أو أكثر من خمسة عشر يومًا متتالية مع ضرورة مراعاة الإنذارات الكتابية التي اشترطها النظام قبل الفصل.
وهنا تبرز مسألة مهمة في النزاعات العمالية. الاستناد إلى المادة 80 لا يكفي بمجرده لاعتبار الفصل مشروعًا. بل يجب النظر في الواقعة التي استند إليها صاحب العمل ومدى انطباق إحدى الحالات النظامية عليها ومدى توافر متطلباتها وإثباتها.
ما التعويض عن الفصل غير المشروع؟
نظمت المادة السابعة والسبعون من نظام العمل التعويض المترتب على إنهاء العقد لسبب غير مشروع.
ويجب أولًا مراجعة عقد العمل لمعرفة ما إذا كان يتضمن تعويضًا محددًا مقابل الإنهاء غير المشروع. فإذا لم يتضمن العقد تعويضًا محددًا فإن طريقة التعويض تختلف بحسب نوع العقد.
إذا كان العقد غير محدد المدة
يستحق المتضرر أجر خمسة عشر يومًا عن كل سنة من سنوات خدمة العامل.
على ألا يقل التعويض في جميع الأحوال عن أجر شهرين.
فلو كان العامل يتقاضى أجرًا قدره 8,000 ريال وعمل لدى المنشأة أربع سنوات فإن أجر خمسة عشر يومًا عن كل سنة يعادل 16,000 ريال.
وفي هذه الحالة يكون التعويض المستحق 16,000 ريال وهو ما يعادل أجر شهرين.
إذا كان العقد محدد المدة
يكون التعويض بأجر المدة المتبقية من العقد ما لم يتضمن العقد تعويضًا محددًا مقابل الإنهاء غير المشروع.
فإذا كان أجر العامل 10,000 ريال شهريًا وبقي على انتهاء عقده ستة أشهر فإن التعويض وفق الأصل الوارد في المادة 77 يبلغ 60,000 ريال.
كما قررت المادة ذاتها أن التعويض لا يقل عن أجر العامل لمدة شهرين.
هل التعويض عن الفصل هو الحق الوحيد للعامل؟
لا.
وهذه من النقاط التي يقع فيها خلط كبير. التعويض عن الإنهاء غير المشروع ليس بالضرورة جميع ما يستحقه العامل عند انتهاء العلاقة العمالية.
فقد تكون للعامل حقوق أخرى مستقلة بحسب ظروف الحالة مثل الأجور المستحقة ومكافأة نهاية الخدمة والمقابل المالي لرصيد الإجازات المستحق ومقابل مهلة الإشعار عند توافر شروطه وأي مستحقات أخرى ثابتة بموجب العقد أو النظام.
ولذلك لا يصح عند دراسة القضية احتساب تعويض المادة 77 ثم اعتباره تلقائيًا كامل مستحقات العامل.
ما الفرق بين تعويض الفصل وبدل الإشعار؟
التمييز بينهما مهم.
تعويض الإنهاء غير المشروع مصدره المادة السابعة والسبعون ويرتبط بإنهاء العقد لسبب غير مشروع.
أما مقابل مهلة الإشعار فيرتبط بعدم مراعاة المهلة النظامية المقررة لإنهاء العقد غير محدد المدة.
وقد نصت المادة السادسة والسبعون على أنه إذا لم يراع الطرف الذي أنهى العقد غير محدد المدة مهلة الإشعار فإنه يلتزم بدفع مبلغ مساوٍ لأجر العامل عن تلك المهلة ما لم يتفق الطرفان على أكثر من ذلك.
ولهذا فإن تحديد الحقوق المالية في قضية الفصل يتطلب دراسة سبب الإنهاء ونوع العقد ومدة الإشعار كل مسألة على حدة.
هل يحق لصاحب العمل فصل العامل بسبب ضعف الأداء؟
ضعف الأداء من المسائل التي تحتاج إلى دراسة دقيقة ولا يكفي فيها الوصف المجرد.
فإذا كان صاحب العمل يدعي أن العامل لم يؤد التزاماته الجوهرية فإن المادة 80 وضعت شروطًا للحالة المتعلقة بعدم أداء الالتزامات الجوهرية أو عدم طاعة الأوامر المشروعة أو عدم مراعاة تعليمات السلامة عمدًا. ومن بين ما نصت عليه في الحالات التي تتطلب ذلك وجود إنذار كتابي.
لذلك فإن النزاع لا يُحسم عادة بعبارة “ضعف الأداء” المكتوبة في قرار الإنهاء وحدها. وإنما ينظر إلى طبيعة التقصير وما إذا كان ثابتًا ومدى ارتباطه بالتزامات العامل والإجراءات التي سبقت قرار الفصل.
ماذا لو أجبر العامل على الاستقالة؟
قد لا يكون إنهاء العلاقة في جميع الحالات ظاهرًا في صورة قرار فصل.
فقد يتعرض العامل إلى ممارسات تدفعه إلى إنهاء العقد بنفسه ثم يظهر في المستندات أن العامل هو من ترك العمل.
وقد عالجت المادة الحادية والثمانون بعض الحالات التي يجوز فيها للعامل ترك العمل دون إشعار مع احتفاظه بحقوقه النظامية. ومن بينها إخلال صاحب العمل بالتزاماته الجوهرية وبعض صور الغش والاعتداء والمعاملة التي تتسم بالقسوة أو الجور أو الإهانة. كما تناولت الحالة التي يدفع فيها صاحب العمل العامل بتصرفاته أو معاملته الجائرة أو مخالفته لشروط العقد إلى أن يكون العامل في الظاهر هو الذي أنهى العقد.
ولهذا فإن وصف إنهاء العلاقة بأنه “استقالة” لا يمنع من بحث الظروف الحقيقية التي أحاطت بانتهاء العقد.
كيف يثبت العامل أن الفصل غير مشروع؟
الإثبات من أهم عناصر النزاع العمالي.
وينبغي الاحتفاظ بعقد العمل وقرار الإنهاء والمراسلات ورسائل البريد الإلكتروني والإنذارات والتقييمات الوظيفية ومسيرات الرواتب وأي مستندات تتعلق بالسبب الذي استند إليه صاحب العمل في الفصل.
وفي المقابل إذا استند صاحب العمل إلى مخالفة ارتكبها العامل فإن مدى ثبوت المخالفة وانطباق النص النظامي عليها والإجراءات المتخذة بشأنها تصبح جميعها محل نظر عند النزاع.
ولهذا فإن تقييم مشروعية الفصل لا ينبغي أن يتم من خلال قرار الإنهاء وحده بل من خلال كامل المستندات والوقائع السابقة واللاحقة له.
مثال عملي على الفصل غير المشروع
لنفترض أن موظفًا يعمل بعقد محدد المدة وأجره الشهري 12,000 ريال وبقي على انتهاء عقده ثمانية أشهر.
قامت المنشأة بإنهاء عقده فورًا دون أن يكون هناك سبب مشروع للإنهاء ولم يتضمن عقد العمل تعويضًا محددًا عن الإنهاء غير المشروع.
وفق الأصل الوارد في المادة 77 يكون التعويض بأجر المدة المتبقية من العقد.
12,000 × 8 = 96,000 ريال
ولا يعني ذلك أن مبلغ 96,000 ريال يمثل بالضرورة جميع مستحقاته. فقد توجد حقوق أخرى ينبغي احتسابها بصورة مستقلة وفق وقائع العلاقة العمالية.
الخلاصة
ليس كل فصل للعامل فصلًا تعسفيًا كما أن مجرد ذكر صاحب العمل سببًا للفصل لا يعني أن الإنهاء أصبح مشروعًا.
التقييم الصحيح يبدأ بتحديد نوع عقد العمل وسبب الإنهاء والنص النظامي الذي يستند إليه صاحب العمل ومدى ثبوت السبب والإجراءات التي اتخذت قبل الفصل.
وإذا تبين أن العقد أُنهي لسبب غير مشروع فإن المادة 77 من نظام العمل تقرر التعويض بحسب نوع العقد. ففي العقد غير محدد المدة يكون الأصل أجر خمسة عشر يومًا عن كل سنة خدمة. وفي العقد محدد المدة يكون الأصل أجر المدة المتبقية من العقد. وفي الحالتين لا يقل التعويض عن أجر شهرين ما لم يكن العقد قد تضمن تعويضًا محددًا عن الإنهاء غير المشروع.
ولهذا فإن قضايا الفصل تحتاج إلى دراسة وقائع كل حالة على حدة. فقد تؤدي تفاصيل تبدو بسيطة في قرار الإنهاء أو عقد العمل أو الإنذارات السابقة إلى اختلاف التكييف النظامي والحقوق المترتبة عليه بصورة جوهرية.
تنبيه قانوني: هذا المقال للتوعية القانونية العامة ولا يُعد استشارة قانونية لحالة محددة. ويُنصح بدراسة عقد العمل وقرار الإنهاء والمستندات ذات الصلة قبل تحديد الموقف النظامي أو قيمة المطالبة.
